حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
31
شاهنامه ( الشاهنامه )
والإجحاف . وكان كل ليلة يأمر برجلين يقتلان ويستخرج دماغهما طعمة للحيتين . حتى غبر على ذلك ألف سنة . فضجت الخلائق ، وارتجت لفظاظة أمره المشارق والمغارب . رؤية الضحاك فريدون في المنام وكان نائما في طارمه ليلة من الليالي ، فرأى رؤيا هائلة تدل على زوال ملكه ، وقرب أجله فأصبح مهموما قد نعاه اليه شؤم فعله ، وقبح علمه . فجمع العلماء والمنجمين والكهنة والسحرة وقد أخذه من ذلك المقيم المقعد . فقال لهم إني سائلكم عن أحوال المملكة على ما أدركتموه من أحكام النجوم ، وألقى إلى أنفسكم من أسرار الملكوت . فسكتوا ولم يستطيعوا أن يردّوا جوابا ، أو يحيروا خطابا . فأحضرهم في اليوم الثاني ، واستنطقهم في السر والإعلان ، وذكر لهم ما رآه من المنام ، وألح عليهم في السؤال عن ملكه ، وما بقي من مدّته ، ومن يرثه التاج والتخت ومتى يكون زوال دولته فما أجابوا عن شيء مما سألهم بغير السكوت . وعلموا أن مدّته شارفت الانقضاء ، ودولته قد ناهزت الانتهاء ، وأنهم لو أطلعوه على ذلك لبطش بهم ، ومزقهم كل ممزق ، وأوسعهم عقوبة ونكالا . فأحضرهم في اليوم الثالث وأعاد عليهم السؤال فأطرقوا وأجمعين ، ترتعد فرائصهم ، وتضطرب أفئدتهم . وكان في جملة الحكماء حكيم طاعن في السن ّ . قد مارس العلوم ، وعرف الأحكام ، وعبد اللّه تعالى فأورثه علما كاملا وأدبا بارعا . فقام وقبّل الأرض ، وقال ما ولد مولود إلا للفناء ولا بقاء إلا لرب العزة والكبرياء . فاستعد للأمر فإنه قد حضر أو كاد . وسيجرى اللّه في الانتقام من الظالمين الميعاد . واعلم أن زوال ملك يكون على يد ملك اسمه أفريدون . وهو لم يولد بعد . وأنه إذا وضعته أمه قتل أبوه على يدك . ثم أنه إذا ترعرع ونشأ طلب بثأر أبيه ، وانتقم منك . فيكون هو وارث الملك بعدك ، وصاحب تاجك وتختك . فلما سمع الضحاك ذلك خر من السرير صعقا . ولما أفاق عاد إلى مكانه ، وبث الرسل في أطراف البلاد في طلب أفريدون ، وتتبع آثاره ، طلبا للفتك به .